"حين تصبح المياه أداة حصار: جذور أزمة العطش في تعز"
محمد عبدالرحمن المسني
مدير عام مكتب الإعلام
منذ أكثر من عقد، لا تُقاس أزمة المياه في تعز بندرة المطر وحدها، بل بخرائط السيطرة العسكرية التي أعادت رسم مصير أهم مورد للحياة في واحدة من أكثر المدن اليمنية اكتظاظًا بالسكان.
فالحقول المائية الرئيسية التي كانت تضخ نحو 21 ألف متر مكعب يوميًا – أي ما يعادل 21 مليون لتر يوميا – تقع اليوم في مناطق خاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي منذ عام 2015.
ومع فقدان هذه المصادر، تحوّل الماء من خدمة عامة إلى معادلة سياسية واقتصادية معقّدة، يدفع ثمنها سكان المدينة يوميًا.
أزمة مصدر قبل أن تكون أزمة إدارة
تحتاج مدينة تعز إلى نحو 35 ألف متر مكعب من المياه يوميًا، أي ما يقارب 35 مليون متر مكعب شهريًا، لتغطية الحد الأدنى من الاحتياج السكاني.
لكن ما يمكن توفيره فعليًا لا يتجاوز 5 آلاف متر مكعب يوميًا، بنسبة عجز تصل إلى 75%، وهو عجز لا يعود إلى ضعف المؤسسة المحلية للمياه بقدر ما يرتبط بفقدان السيطرة على الموارد الأساسية.
في المقابل، تقع معظم الآبار ذات الجودة العالية والقدرة الإنتاجية المستقرة في مناطق سيطرة الحوثيين، وعلى رأسها منطقة الحوبان، التي يتطلب تشغيلها وضخ مياهها فقط نحو 3 آلاف متر مكعب يوميًا، مع احتياج شهري للديزل يصل إلى 70 ألف لتر، ما يجعل الوصول إليها مرهونًا بمعادلات سياسية وأمنية معطّلة.
"مؤسسة تعمل في هامش الممكن"
رغم ذلك، لم تتوقف المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بمحافظة تعز عن العمل. فمن بين ركام الحرب وتدمير البنية التحتية، أعادت تشغيل الحقل الإسعافي الوحيد، وحفرت 18 بئرًا ارتوازيًا جديدًا، وشغّلت 33 بئرًا عاملة بإنتاج يومي إجمالي لا يتجاوز 5 آلاف متر مكعب.
وتُظهر الوثائق الرسمية للفترة بين 2019 و2025 حجم الجهد المبذول لتعويض فقدان الموارد الواقعة خارج السيطرة، عبر حلول مؤقتة ومكلفة، أبرزها التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية والمولدات الكهربائية.
"الطاقة كمعركة موازية"
تشغيل قطاع المياه في تعز لا يتوقف عند توفر الآبار، بل عند توفر الوقود. فالمدينة تحتاج شهريًا إلى نحو 132 ألف لتر من الديزل لتغطية التشغيل الكامل، وهو رقم يفوق قدرة المؤسسة في ظل توقف دعم المنظمات الدولية نتيجة تعنّت الحوثيين وعرقلة عملها.
ومع ذلك، وجّه محافظ محافظة تعز، الأستاذ نبيل شمسان، بصرف 210 آلاف لتر من الديزل، بمعدل 70 ألف لتر شهريًا، لتفادي الانهيار الكامل للخدمة، في خطوة وُصفت داخل المؤسسة بأنها “إنقاذ تشغيلي في لحظة حرجة”.
كما أصدر محافظ تعز نبيل شمسان القرار رقم 15 لسنة 2026م بشأن تشكيل اللجنة العليا لإدارة أزمة المياه واللجان التابعه لها والتي من ابرز اختصاصاتها إعلان حالة الطوارئ المائية وتوجيه كافة الإمكانيات لمواجهة العجز المائي وإقرار السياسات والتدابير الإستثنائية لإدارة أزمة المياه إضافة لاعتماد وتوفير التمويل بتخصيص الموارد المالية اللازمة .
وبالتوازي، جرى تركيب منظومات طاقة شمسية في 29 بئرًا ومحطة خلال الفترة (2018–2025)، ما مكّن المؤسسة – عند توفر الطاقة الشمسية – من إنتاج نحو 3,200 متر مكعب يوميًا، وهو تحسن نسبي، لكنه لا يغطي سوى جزء محدود من الفجوة.
"بنية تحتية تُرمم تحت الضغط"
تشير الوثائق إلى تنفيذ مشاريع شبكات مياه بطول 40 ألف متر، وشبكات صرف صحي بطول 37 ألف متر، بدعم من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واليونبس، وشركاء دوليين آخرين. كما شملت التدخلات توريد مولدات كهربائية لـ 32 بئرًا ومحطة، وتجهيز مختبر فحص المياه، وتوفير معدات ثقيلة، وبرامج تدريب وبناء قدرات للكوادر الفنية.
لكن كل هذه الجهود، بحسب مسؤولين في القطاع، تظل “إدارة للأزمة لا حلًا جذريًا لها”، طالما بقيت الموارد المائية الاستراتيجية خارج السيطرة.
الماء كسلاح غير معلن
في تعز، لا يُنظر إلى أزمة المياه باعتبارها خللًا فنيًا فقط، بل كجزء من حصار ممتد، حيث تحوّلت الحقول المائية إلى أداة ضغط صامتة. فبينما تملك المدينة مؤسسات عاملة وخططًا تشغيلية، تفتقد إلى أبسط عناصر السيادة على مواردها الطبيعية.
تكشف تجربة تعز أن صمود مؤسسة المياه لم يكن نتيجة وفرة الموارد، بل نتيجة إدارة في ظروف استثنائية، ودعم محلي، وشراكات دولية، في مواجهة واقع يختزل الأزمة في سبب جوهري واحد:
المياه الأساسية خارج السيطرة، والبدائل مكلفة، ومحدودة، وغير كافية لتلبية احتياجات مدينة بأكملها.
وحتى تُستعاد تلك الموارد، ستظل تعز تعيش على هامش الممكن… في مدينة يُقاس فيها الماء بالسياسة بقدر ما يُقاس باللتر.
خلاصة استراتيجية:
التحلية كخيار وحيد للحل المستدام
تُظهر معطيات الواقع في تعز أن جميع الحلول القائمة—من حفر الآبار الإسعافية، إلى إدارة الشح، إلى الاعتماد على الطاقة الشمسية والديزل—ليست سوى استجابات اضطرارية تُبقي المدينة على قيد الحياة، لكنها لا تضع حدًا للأزمة. فالمشكلة لم تعد أزمة تشغيل أو تمويل، بل أزمة مصدر وسيادة مائية في مدينة تُحاصر من منابعها.
وفي ظل استمرار سيطرة مليشيات الحوثي على الحقول المائية الرئيسية، وتراجع التغذية الطبيعية للمياه الجوفية، واستحالة الاعتماد طويل الأمد على حلول مكلفة ومحدودة الإنتاج، يبرز خيار تحلية مياه البحر كالمسار الوحيد القادر على توفير حل مستدام وعادل ومستقل لأزمة المياه في تعز.
إن مشروع التحلية—رغم كلفته الاستثمارية العالية—يمثل خيارًا استراتيجيًا ينقل المدينة من منطق إدارة العجز إلى منطق تأمين الحق في المياه خارج معادلات الحرب والابتزاز.
فربط تعز بمصدر مائي بحري، عبر شراكات حكومية ودولية، لم يعد ترفًا تنمويًا، بل ضرورة وجودية لضمان استقرار المدينة، وحماية سكانها، وتحقيق أمنها المائي على المدى الطويل.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل تعز عالقة بين أزمة مفتوحة وحلول مؤقتة، في انتظار قرار وطني يعترف بحقيقة باتت واضحة: لا حل مستدام لمشكلة المياه في تعز إلا بالخروج من جغرافيا الحصار… نحو البحر.
● أخبار ذات صِلة
عدن / رئيس اتحاد نساء ابين نطالب قيادتنا السياسية بمنح المرأة مزيد من الامتيازات والحقوق لكي تكون رديف حقيقي للرجل
٢١ أغسطس, ٢٠٢٤ 2542مصر/الملحق الثقافي لسفارة بلادنا طلابنا من خير المبتعثين وسوف نكون بجانبهم وفق الإجراءات واللوائح المسموحة.
٢٥ يوليو, ٢٠٢٤ 2080جرائم الطلاب في الامتحانات تمس الكتب المدرسية
١٠ يوليو, ٢٠٢٤ 2156عدن / وكيل مصلحه الهجرة والجوازات اللواء عبد الجبار سالم
٦ يونيو, ٢٠٢٤ 3912عدن/ مدير إدارة تنمية المرٱه بمديرية المنصورة
٢٩ أبريل, ٢٠٢٤ 2156مدير المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بتعز : نسعي الى أيجاد حراكًا تأمينياً للقضاء على التهرب التأميني بعد ايرادات بلغت "700 " مليون ريال
١٥ أبريل, ٢٠٢٤ 2148