سردية التحرير في الأعمال الفنية... أجمل ما كان لم يُقل

سردية التحرير في الأعمال الفنية... أجمل ما كان لم يُقل
سردية التحرير في الأعمال الفنية... أجمل ما كان لم يُقل

ما العمل الذي تواجه به المقاومة تشويه التاريخ وافتراءات أعدائها؟ أو كيف يستمر التحرر فكرةً ممكنة من خلال الذاكرة والخيال الذي كان ينضح به قلّة من أبناء الجنوب، الذين رأوا الحلم بالعيش في أرض بلا ذل ممكناً؟ هناك ما يضيق بالخطاب السياسي اليومي، والتحالفات المرحلية، بل يموت، إن لم يصر إلى تشكيله في الثقافة بمختلف درجاتها وأنواعها. كيف نرى الاحتلال والمقاومة، الذل واليأس، العوز والاستغناء، الفرار والتضحية، الآن وغداً من خلال ما كان في الإرث العظيم الذي صنع بحيوات أهرقت على ضفاف النصر الذي ما زلنا نشرب من مائه.

عقدان على التحرير، صوت المعركة هدأ نسبياً، ولا نكاد إلى الآن نميز منتجاً ثقافياً واحداً يستطيع أن يمثل أقرب تمثيل ما حققته المقاومة في حرب التحرير. هناك إجماعٌ على هذا المسألة، واختلاف في تحديد أسبابها. القلق كبير من ضياع الفرصة في توثيق ما حدث بتقادم الزمن وموت من كان شاهداً، وتواصل سياسات التشويه والتزييف الذي لا يني الخصوم والأعداء عن تبنيها. وبقدر ما تبدو البيئة العضوية للمقاومة غير مشبعة (وغير راضية أيضاً) بالمنتجات الثقافية التي تقارب مسألة تحتل مركزاً في فكرها اليومي، يلوح إخفاق في جعل المقاومة أقرب للمتابع العربي أو الأجنبي، من خلال الجسور الثي تؤمنها اللغة الرفيعة والجماليات المبهرة.
افتراضات عدّة تفسر «عدم تقديم المقاومة منجزاً ثقافياً يوازي إنجازها العسكري»، وفق تعبير السيناريست فتح الله عمر (مسلسلات «الغالبون»، «درب الياسمين»، «بوح السنابل»). الإشارة غالباً ما تكون إلى الحصار المفروض على المقاومة كفكرة وقيمة لا كمجرد وجود متحقّق في حزب أو آخر. فالإنتاج الثقافي مثل أيّ صنعة أخرى، يتطلب خط إنتاج وتوزيعاً لضمان الإنجاز والانتشار، أي النجاح، لكن تحت وطأة هيمنة خصوم المقاومة على أدوات الإنتاج الثقافي وعلى وسائل العرض، مع ما يمتلكونه من ثروات، تجعلهم في صدارة القدرة على تمويل وشراء حقوق الأعمال باختلاف أنواعها، تصير فرصة الإنتاج الثقافي المقارب لمسألة المقاومة أقل وأبعد عن التحقق.
 

الداخل اللبناني معضلة أخرى. الانقسام السياسي حول المقاومة، والجدال الطائفي المثار حولها، دفعا المنتجين بعيداً عنها، فيما جذبهم التمويل الفرنسي والعربي لتناول الحرب الأهلية باستمرار. المنتج لا يريد أن يخسر السوق الخليجي، بأن يربح نصف السوق اللبناني الصغير أصلاً، وإن كان مؤمناً حقاً بأن في المقاومة وعالمها ما يستحق التناول. يوضح المخرج إيلي ف. حبيب (درب الياسمين) أن المنتج يلجأ إلى السينما أو الدراما غير المسيّسة من أجل الإيرادات الأكبر التي لا تتحقق إلّا بمشاهدات أكثر: «وفق خبرتي، فإننا نعتمد على مشاهدة 5% من مجمل اللبنانيين للأعمال، لنحقّق ربحاً بقدر 30% أو 40%، هذا إن كانت رسالة العمل كونية، أما في حال كان عملك عن المقاومة والحرب مع إسرائيل، فإنك تلقائياً ستخسر نصف عدد المشاهدين، أي نصف أرباحك، سواء أعُرض عملك في السينما أم عبر القنوات المحلية». المشكلة لا تقتصر على ذلك، فالإنتاجات الدرامية والسينمائية التي أنتجتها شركات أو جهات محسوبة على «حزب الله» نفسه (مركز بيروت للإنتاج على وجه الخصوص)، أي تلك التي أنتجت لا لصالح الربح أو تأمين كامل الكلفة، لم تحظَ بفرص للعرض عبر الشاشات اللبنانية أو العربية، ولم تُفتح لها صالات السينما طويلاً.لكن عامل الإنتاج ليس سبباً تاماً لنخرج بالخلاصة. المال كان عائقاً أمام السينما المستقلّة أو السينما السياسية وسيظل كذلك غالباً. مع ذلك، تبقى الفرص مواتية من وقت إلى آخر. من جهة أخرى، المال قد يكون «آفة» ومشبكاً لتقاليد الفشل. يخبرنا المخرج روجيه عساف (معركة)، أن المشكلة ليست في كمية التمويل، بل في موضع التمويل في العمل، والمشكلة أن يكون التمويل هو ما يحدّد العمل. فالعمل «يجب أن يلاقي أناساً يسندونه. يمكن للناس أن يقدّموا مساهمات في العمل كما حدث في فيلم «معركة» حيث قدّم الناس بيوتهم وثيابهم وأسلحتهم. ما يحدث الآن هو أن يأتي صاحب الفكرة، فيضع ميزانية ويطالب بتأمينها، وعندها يبدأ بالعمل. هذه طريقة خبيثة جداً، لأنه تدريجياً تصمم الأعمال وفقاً لإمكانية التمويل. لنأخذ مثلاً آخر لا يتطلّب مالاً كثيراً، ولا يحتاج إلى امتلاك أدوات إنتاج ووسائل نشر ضخمة؛ أي الكتابة القصصية. طبعاً فرصة وجود كاتب محترف ما، يشبه فرصة وجود عالم كبير. المسألة لا تقتصر على ولادة موهوب وشروعه بالكتابة، لأن الأخير هو أولاً وآخراً صنيعة نمط من الثقافة وعلاقات اجتماعية تجعله ممكناً أو غير ممكن، تعطيه فائض الوقت ليحوله إلى خيال وجمال، أو تحرمه منه فيصير مهدوراً بتتبع العيش. لكن أياً كانت أسباب ولادة كاتب بكل ما تعنيه هذه الصفة من امتلاء وموهبة، فإن الشك ما برح في أن تكون المقاومة قد ولدت بالكلمات. معظم القصص التي أنتجت في هذا الشأن وليدة المؤسسة الحزبية، إنتاجاً أو نشراً. لا يمكن مقاربة هذه الإنتاجات عرَضاً، لكن في العموم هناك مشتركات في معظمها، وهي غرقها في التكرار البلاغي الرث، والقولبة المخلّة. لا جديد إلا من حيث الشكل، نسخ لتقاليد الأدب المدرسي بثيمات الخير والشر. لا تناقضات داخلية، لا صراع نفسياً، لا رذائل ولا ندم. الأبطال بعيدون عن غرف النوم. الرسالة تحجب جمال السرد. الأشرار في تفاهة الشر، والأخيار في سكون مملّ. أما النهايات فمعروفة لصالح من، ألم نقل إنها مدرسية؟».  
معظم الأعمال غرقت في التكرار البلاغي الرث، والقولبة المخلّة، وشكّلت نسخة لتقاليد الأدب المدرسي (روجيه عساف)


لم تنجح مؤسسات المقاومة الثقافية في الاستمرار بشكل متصاعد. «مركز بيروت للإنتاج» و«الجمعية اللبنانية للفنون ــــ رسالات»، تعرّضا لنكسات في السنوات الأخيرة، بعضها متعلّق بالحصار المالي على الحزب، فيما كان العبء أكبر على مؤسسات من الدرجة الثانية. المؤسستان توضحان أن بعض أعمالهما انتشرت خارج البيئة العضوية للمقاومة، فيما يقول المدير السابق لـ «الجمعية اللبنانية للفنون»، أن ذوق الجمهور لم يتقبل بعض الأعمال الرفيعة التي أنتجتها الجمعية (كأن هذه النقطة تحسب لها!). أما المساهمات الجماعية أو الفردية المستقلة عن هذه المؤسسات، فتبدو قليلة لا تكاد تذكر هذه الأيام.
مثل الصناعة، لم يعد إنتاج الثقافة شأناً مقتصراً على الموهبة، ولا على ضخ أموال في عمل لا تظهر عيوبه إلّا بعد تبخر الأموال، ولا هو واجب تثقل متطلباته مباهج جماله، ولا هو الحقيقة أو الوثيقة فقط (فتح الله عمر: «أكثر ما أتعبني وأرهقني أثناء الكتابة للمقاومة هو أن المسؤولين عن الإنتاج، كانوا صادقين أكثر مما ينبغي»)، ولا هو الجمال المُلهم، إنما هو خلاصة ما هو كائن. لنعترف: لن نتمكن من كسر هيمنة ثقافة الاستسلام إن استمررنا في مشاريع الموازنات الكبيرة، وفي نمط الاستثمار السريع، وليس هذا ما نريده صورةً لتاريخ طويل من الآلام والبقاء... فأجمل ما كان لم يُقل بعد!

لاتنسى مشاركة: سردية التحرير في الأعمال الفنية... أجمل ما كان لم يُقل على الشبكات الاجتماعية.

المصدر : الأخبار