نعائم خالد
في زمن أصبحت فيه المسلسلات تُنتَج أسرع من قدرة المشاهد على إيجاد الريموت، صار من الطبيعي أن نسأل: من المسؤول عن متابعة النصوص قبل أن تتحوّل إلى أعمال تُبثّ على الشاشات وتبثّ معها الصداع الوطني؟ وهل هو نفس الشخص الذي ينسى أن يضغط زر "حفظ" على جهاز الكمبيوتر، أم أنه مشغول بمطاردة الأشباح في النصوص؟فكرة الرقابة على النصوص ليست ترفًا، بل ضرورة تشبه وجود مطفأة حريق في مطبخ مليء بالزيت، أو ربما وجود حارس أمن في حفل زفاف يمني. لأن النص—إذا تُرك بلا رقابة—قد يتحوّل إلى حريق اجتماعي، أو على الأقل إلى "موقف محرج" يضطر فيه المسؤولون في وزارة الثقافة (تحديداً الإدارة العامة للمصنفات الفنية والملكية الفكرية التابعة لها، والتي تعمل تحت مظلة قانون الرقابة على المصنفات الفنية رقم 6 لسنة 1994 واللائحة التنظيمية لوزارة الثقافة والسياحة) لكتابة بيان يشرح أن ما حدث "لا يمثّلنا"، بينما هو يمثلنا تماماً في بعض الأحيان. فالمادة (2) من القانون المذكور واضحة: "لا يجوز عرض أي مصنف فني إلا بعد الحصول على ترخيص من الوزارة". فهل الترخيص بات مجرد "ختم" يوضع على أي شيء؟النصوص اليوم… تمشي بلا رقيب (أو برقباء متعددي الجنسيات والولاءات!)نحن الآن في مرحلة تظهر فيها أخطاء مزعجة لدرجة تجعل المشاهد يتساءل: هل الكاتب كان يكتب النص أم النص كان يكتب الكاتب؟ وهل الرقيب كان يشرب القهوة أم القهوة كانت تشرب الرقيب؟ وهل "سلامة التنفيذ" التي تنص عليها اللائحة التنظيمية لوزارة الثقافة تعني سلامة تنفيذ النص أم سلامة تنفيذ الرقيب من المساءلة؟مشاهد لا علاقة لها بالواقع، قيم تُزرع بالمقلوب، رسائل اجتماعية تُقدَّم بطريقة تجعل المجتمع نفسه يطلب اللجوء لدولة أخرى. والأسوأ: لا أحد يعرف من هو المختص الحقيقي الذي يراجع هذه النصوص قبل أن تتحوّل إلى مسلسل، وقبل أن تُمنح المؤسسة العامة للمسرح والسينما تراخيص التصوير وكأنها مشاريع نووية، بينما النص نفسه قد يكون قنبلة موقوتة. هل هو موظف في وزارة الإعلام الذي يراقب البث، أم في وزارة الثقافة الذي يراقب النص؟ أم هو شخص ثالث يظهر فجأة بختم سحري يوافق على كل شيء، ربما لأنه ما زال يعتقد أن "قانون 1994" قادر على ملاحقة مسلسلات تُبث في 2026؟أهمية الرقابة ليست قمعًا… بل وقاية (من الفضائح والمهازل!)الرقابة هنا ليست "عصا" تُلوّح بها الدولة، بل "نظارة قراءة" تمنع النص من الوقوع في حفرة الإساءة أو السطحية أو العبث بالقيم الوطنية والمجتمعية. نحن نتحدث عن:أمن قومي: لأن مشهدًا واحدًا قد يخلق أزمة دبلوماسية، ويجعل اليمن في مرمى نيران "الكوميديا السوداء" العالمية، بينما الرقيب كان مشغولاً بتدقيق عدد الفواصل الإعلانية.•أمن محلي: لأن جملة واحدة قد تشعل خلافًا قبليًا، وتجعلنا نتحسر على أيام كانت فيها المشاكل تُحل بـ "المعاقل" لا بـ "الريموت كنترول"، والرقيب كان يراجع أسماء الممثلين للتأكد من عدم وجود تشابه.•أمن مجتمعي: لأن فكرة واحدة قد تُربّي جيلاً يعتقد أن الحل لكل مشكلة هو صراخ الممثل في الحلقة الأخيرة، أو أن البطل الخارق يرتدي زي "الجنبية" ويطير فوق السحاب، والرقيب كان يطمئن على عدم وجود أي إيحاءات "غير لائقة" في مشهد شرب الشاي.•الرقابة… أين هي؟ ومن هو صاحب الختم الذهبي؟المشكلة ليست في وجود الرقابة، بل في غياب "الهوية" الواضحة لها. من يراجع النص؟ هل هو فريق من الخبراء في الإدارة العامة للمصنفات الفنية والملكية الفكرية أم شخص واحد يمتلك "الختم الذهبي" الذي يفتح أبواب العرض؟ من يوافق عليه؟ هل هو وزير الثقافة شخصياً أم وكيل الوزارة أم مدير الإدارة؟ من يقرر أن هذا المشهد مناسب وهذا لا؟ وهل قراراته تستند إلى معايير فنية أم إلى "مزاج" يومي، أم إلى "توجيهات عليا" غير مكتوبة؟ ومن يمنح التصريح لموقع تصوير يطلّ على نصف المدينة بينما لا أحد يعرف ماذا يُصوَّر هناك، وهل ما يُصوَّر يتوافق مع "الذوق العام" أم مع "الذوق الخاص" للرقيب الذي قد يكون في إجازة مفتوحة أو مشغولاً بمشاهدة مسلسل تركي؟النتيجة: نصوص تمرّ من بين الأصابع، ثم تظهر على الشاشة وكأنها تقول للمشاهد: "مفاجأة… حتى نحن لم نكن نتوقع أن نُعرض! ويبدو أن الرقيب كان في إجازة مفتوحة أو مشغولاً بمشاهدة مسلسل تركي."الخلاصةنحن بحاجة إلى منظومة رقابية واضحة، محترفة، تعرف الفرق بين الإبداع والفوضى، وبين الحرية والإساءة، وبين الدراما والدراما الزائدة عن اللزوم. نحتاج جهة تقول للنص: "قف… عدّل… صحّح… ثم تفضّل بالدخول." لا أن تقول له: "تفضل بالدخول… وسنرى ما سيحدث بعد ذلك." فليتفضل أصحاب "الختم الذهبي" بالظهور، فالمشاهد اليمني يستحق أن يعرف من يراقبه، ومن يراقب من يراقبه، ومن يراقب من يراقب من يراقبه! لأن الفن رسالة، والرسالة تحتاج إلى بريد آمن… لا إلى صندوق مفتوح في الشارع، أو إلى "واتساب" جماعي يضم كل من هب ودب ليقرر مصير الفن في اليمن.
الســـــــابق
حكومة التعافي السياسي والرهان الاخير لاستعادة الدولة● أخبار ذات صِلة
ثلاث وزيرات في اليمن… خطوة أمل أم ديكور سياسي؟
٧ فبراير, ٢٠٢٦ 666صدمة… لكنها أيقظتني أكثر
٢٧ يناير, ٢٠٢٦ 250حين يتكلم الضمير… تصمت المزايدات
٦ يناير, ٢٠٢٦ 534أصناف البشر بين الذكاء والغباء… قراءة في طبيعة السلوك الإنساني وانعكاسها على واقع
٢٢ نوفمبر, ٢٠٢٥ 284الإعلام الحكومي.. سلطة الكلمة ومسؤولية الدولة
١٧ نوفمبر, ٢٠٢٥ 346راتبي في المصيف، وأنا في الجحيم!"
٩ نوفمبر, ٢٠٢٥ 1048