*لماذا نقرأ. 2

*لماذا نقرأ. 2
*لماذا نقرأ. 2

أنا أقرأ لأنّ لديّ في اليوم أربعًاوعشرين ساعةً فحسب، وإنْ لم أقرأ، فستسمرّ الحياةُ بالضّياع، وستتدفّق باتّجاه الخُواء. أنا أقرأ لأنّ التجربة علّمتْني أنّ وقتَ القراءة هو الوقت المُكتَسَب وما سِواه ضائعٌ أو أكثره يذهبُ سدًى وبلا طائل.
           
*أنا أقرأ لأنّ التّجربة علّمتْني أنّ أرقى المُتع الحسّيّة هي تلك الّتي تخلو فيها إلى كتابٍ يتجاوز بكَ حدودَ الزّمان والمكان. أنا أقرأ لأنّ لي عينَين، أرى بهما عالَمي المحسوس الّذي يبدو متناهِيًا في الصّغر، والكتاب له آلاف العيون الّتي تفتح لي النّوافذ على عوالم لا متناهية. أنا أقرأ لأنّني أريدُ أنْ أتجوّل في عقول الآخرين، وأدخل دروبهم الّتي دخلوها، وأبيتُ في المَنامات الّتي باتوا فيها، وأسهر في اللّيالي الّتي سهروها، وأستمتع بالمناظر الّتي استمتعوا بها*.

 أنا أقرأ لأنّني أريدُ أنْ أتخلّص من بعض الحماقات الّتي أرتكبها أحيانًا، أريد أنْ أتطهّر من لوثة اللّهاث وراء كلّ شيءٍ بلا جدوى، أريد أنْ أتخلّى عن بعض السّذاجات الّتي توقعنا فيها الحياة بحُكم علاقاتنا مع الآخَرين.
         
*أنا أقرأ لأنّ الكتاب أفضل من كثيرٍ من البشر، أكثرُ حكمةً منهم، أشدّ وفاءً، وأصدقُ لهجةً، وقادرٌ على أنْ يفهم تناقضاتي أكثر منهم، يعرف كيف يُبكيني ويُضحكني، وكيفَ يُميتني ويُحييني*.

 أنا أقرأ لأنّه قد لا تسنح لي فرصةً لألتقي كاتبي المُفضّل إلاّ عبر أوراقه، ذلك الكاتب الّذي يخطفني منّي، وأتبعُ رائحة الكلمات خلفه مشدوهًا، لأنّه يعرفُ كما قال مُظفّر: "تنويني وشدّاتي وضَمّي وجُمُوعي"!

*أنا أقرأ لأنّني أعتقد أنّ في القراءة غموضًا ومغامرة، غموضًا مثل من يدخل غابةً في اللّيل فيها ألفُ سِرّ، ومغامرة مث

ل مَنْ يمشي في حقلٍ مزروعٍ بالألغام. على القلب أنْ يتوقّف في الدّقيقة سبعين مرّة من أجل أنْ يلتقط الأنفاس جرّاء ما يشعر أو يتوقّع.*
          
أنا أقرأ لأنّني أرغب في مثل هذه السّنّ الّتي وصلتُ إليها أنْ أتخلّص من الأحكام الفقهيّة الجاهزة الّتي تربّيتُ عليها في الصّغر، وبي حاجةٌ مُلحّة أنْ أتخلّص كذلك من بعض الخرافات والأساطير، وأنْ يشاركني العقل  الواعي في بناء مُعتقداتي.

*أنا أقرأ لأنّني أحببتُ أنْ أحرّك الماء الرّاكد في بُحيرة عقلي. أنا أقرأ لأنّ القراءة هي حجر الاشتِعال بالنّسبة للكتابة، ولا يُمكن أنْ أكون كاتِبًا جيّدًا ما لم أكنْ قارِئًا جيّدًا*.
 
أنا أقرأ، لأنّ مُتطلّبات جسدي قد أشبعتْ أو يُمكن إشباعها، أمّا متطلّبات العقل والرّوح والوِجدان فلا يُمكن أنْ تُشبَع، ولذلك أُبقي منارة القراءة مُضاءة، ونار المعرفة مُشتعلة. فأنا بالرّوح لا بالجسم إنسان.

*أنا أقرأ لأنّني أريدُ أنْ أتخلّص من الموت الّذي يعيشُه الكثيرون، ولأنّني أُدرك أنّ الفرقَ بين الّذين يقرؤون والّذين لا يقرؤون هو الفرق ذاته بين الأحياء والأموات. أنا أقرأ لأنّني لا أريدُ أن أحيا الحياة الّتي أرادَها الآخَرون لي، ولا أنْ أسير في الدّروب الّتي سارَها النّاسُ أمامي، ولا أن أتوقّف في المحطّات الّتي توقّف فيها كلّ النّاس، فلديّ حياتي الخاصّة، ودروبي المُشتهاة، ومحطّاتي المُنتقاة. أنا أقرأ لكي أكون حُرًّا في زمن العبوديّة المعرفيّة والتّبعيّة الفِكريّة.*

 أنا أقرأ لكي أتجدّد في زمن الجمود، ولكي أتقدّم في زمن الرّجوع، ولكي أتعملقَ في زمن الانهِيار. أنا أقرأ لكي أُصقَل، فالذّهب لا يلمع دون صَقل، وأنا أقرأ لكي أشتعل، فالنّار لا تتّقد دون احتكاك.

     
*أنا أقرأ لأنّ القراءة تُقرّبني من الرّسالة الّتي أحملها، وتُوصلني إلى أحلامي بأقصر الطّرق. أنا أقرأ لكي أُشفَى من الجمود والفجاجة والتّقديس والعُزلة البائسة والإحباط واليأس والتّعصّب والعَمى والكبت والجوع*

 أنا أقرأ لأنّني شَغوفٌ بالحقيقة، الحقيقة المُطلَقة، تلك الحقيقة المُستحيلة، لكنّ لذّة المعرفة تحثّني على أنْ أواصل البحث عنها؛ ولا شيءَ يفعل ذلك أفضل من القراءة.

*يقول ألبرتو مانغويل في (المكتبة في اللّيل): "كلّ قارئٍ يوجَد كي يضمنَ لكتابٍ مُعيَّن قَدْرًا مُتواضِعًا من الخلود، القراءة بهذا المفهوم، هي طقس انبِعاث"*.

*وأخيرًا أنا أقرأ لأنّني مُدمن، أشعر بتهارشٍ فظيعٍ في عقلي، إنّني أحتاج إلى جرعةٍ يوميّةٍ ودائمةٍ منها لكي لا أموت، لكي لا تصدأ روحي، ولكي أضبطَ إيقاع الأفكار الّتي تبدأ بالتّلاطم والهياج في اللّحظة الّتي يطول فيها تناول الجرعة*.

#أيمن_العتوم

لاتنسى مشاركة: *لماذا نقرأ. 2 على الشبكات الاجتماعية.